الاستراتيجيات الإرشادية للنموذج التحليلي

الاستراتيجيات الإرشادية للنموذج التحليلي

إن الأساليب التحليلية التي ابتكرها فرويد لا تسعى إلى تكوين خبرات جديدة لدى المسترشد بقدر ما تسعى إلى تطهيره من المكونات اللاشعورية وإحضارها إلى مستوى وعيه. ويتطلب نجاح أي من هذه الأساليب تعاون المسترشد وصراحته في كشف الذات، وحتى يضمن المرشد ذلك لا بد أن يوفر بيئة علاجية تساعد على عملية التحليل. وفيما يلي أهم الاستراتيجيات العلاجية التي يمارسها المرشدون والأخصائيون التحليليون في ميادين عملهم:

الاستراتيجيات الإرشادية للنموذج التحليلي

أولاً: التداعي الحر (Free Association)

وهو أسلوب أساسي للتحليل النفسي يتفق بموجبه المعالج المحلل مع المريض بأن يتحدث له بكل شيء يخطر على باله، حتى لو كان هذا الشيء غير مريح أو يبدو أنه غير مهم، ودون أن يحدد مواضيع معينة أو يتقيد بالتسلسل أو المنطق أو الأخلاق أثناء الحديث. كما يطلب منه أن يتحدث بشكل فوري وذلك بهدف إضعاف رقابة الشعور، بحيث تكون هذه الترابطات محكومة بقوة لا شعورية تتمثل في الصراعات المسببة للعصاب ورغبة الفرد بأن يكون جيداً وأن يُسعد الحلل، وقد يهدد التفاعل بين هذه القوى عملية التحليل نفسها.

ويقود هذا الأسلوب عادة إلى التعرف على الأشياء المكبوتة في اللاشعور، ويركز المعالج على المعاني الخفية والضمنية لما يقوله المريض. ومن حيث آلية إجراء عملية التداعي الحر يستلقي المريض على أريكة مريحة في غرفة شبه معتمة، ويجلس المحلل خلف المقعد بعيداً عن مجال رؤية المريض، وتكون وظيفته هي الاستماع بعناية إليه ومحاولة فهم ما يقوله واختيار الوقت المناسب للتفسير.

وفي أثناء عملية التداعي الحر يكون المرشد يقظاً لما يبدو على وجه المسترشد من انفعال، أو لما يأتيه من حركات عصبية، كذلك لابد للمرشد أن ينتبه لما قد يتورط به المسترشد من فلتات اللسان أو ما ينتابه من تردد أو تأخر أو توقف مفاجئ في تسلسل التداعي والترابط. وتمتد جلسة العلاج بالتداعي الحر ما بين 45-60 دقيقة في المتوسط.

ثانياً: التنفيس الانفعالي (Abreaction)

أسلوب تحليلي يتضمن تفريغ وتحرير الانفعالات المكبوتة لدى المتعالج ومخاوفه وحيله الدفاعية للتخفيف من أثرها في تكوين الاضطراب النفسي، ومن ثم تفسيرها ومعرفة دلالاتها. ويتطلب إجراء ذلك مناخاً مناسباً يساعد المتعالج على الحديث عن مشكلاته الخاصة والانفعالات التي يعبر عنها أثناء المشكلة. ويستخدم المعالج في عملية التنفيس الانفعالي وسيلة التداعي الحر والأسئلة العلاجية، وعندما يعي الفرد مشاعره وانفعالاته المكبوتة تنمو بصيرته وتزداد ثقته بنفسه ويحدث الأمر الإيجابي للتحليل النفسي. ويمكن الاستفادة من أسلوب التنفيس الانفعالي في بعض المواقف الإرشادية، خاصة تلك التي يعاني بها المسترشد من مشاعر أو انفعالات قوية، فمثلاً عندما يعاني المسترشد من حزن شديد يجب على المرشد أن يتيح له المجال بأن يعبر عن هذا الحزن عن طريق البكاء ويشجعه على الحديث عن مشاعره السلبية دون تقييم أو انتقاد.

ثالثاً: تحليل وتفسير المقاومة (Analysis and Interpretation of Resistance)

اجراء علاجي تحليلي يقوم به المعالج بتفسير مظاهر المقاومة التي يبديها المتعالج عند اخراج مكونات اللاشعور وما قبل الشعور، بهدف مساعدة المتعالج ليكون واعياً لأسباب المقاومة. وكقاعدة عامة يشير المعالج ويفسر أكثر مظاهر المقاومة وضوحاً، ليقلل من احتمالية رفض المتعالج للعلاج والنظر إلى السلوك المقاوم. ومن الضروري أن يحترم المعالج مقاومة المتعالج ويساعده على التعامل بطريقة علاجية مع دفاعاته، وبذلك فإن المقاومة تكون من أكثر الأدوات أهمية لفهم المتعالج. وأخيراً يعتمد المعالج تفسيرات تقدم للمتعالج إيضاحات لما قاله المتعالج نفسه بشكل صريح أو ضمني. ولا بد من اعتماد التوقيت المناسب في تقديم التفسير واستخدام السلوكيات غير اللفظية (اللهجة، نبرة الصوت) عند تقديم التفسير.

رابعاً: تحليل وتفسير التحويل (Analysis and Interpretation of Transference)

تكتيك أساسي في التحليل النفسي يتضمن تفسير عملية التحويل التي يقوم بها المتعالج تجاه المعالج، ومن المنطق أن يتصرف المتعالج بناءً على الخبرات والعلاقات المبكرة مع المعالج كشخص مهم، وبذلك فهو يعيش هذه الخبرات المبكرة في العلاقة مع المعالج ويعبر عن مشاعره وأفكاره ورغباته كما هي في اللاشعور، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تحقيق الاستبصار (هنا والآن) بهذه المكبوتات اللاشعورية.

ومن خلال عملية تفسير هذه التعبيرات للمشاعر ذات التكوين المبكر للشخص، فإن المتعالج يصبح قادراً على أن يغير أنماطاً سلوكية تشكلت منذ عهد بعيد. والمعالج في بداية العلاج يظهر للمتعالج أنه يتقبل المواد المكبوتة التي ينظر لها الأخير بأنها مشؤومة ومخزية، وتدريجياً يتبنى المتعالج تجاه المعالج نحو هذه المواد ويندمج معها بشكل عميق.

بمعنى آخر يسمح المعالج للمتعالج بالنكوص الآمن ويكون جزءاً من هذا النكوص نحو المعالج. ففي بداية العلاج وفي التحليل يحمل المتعالج مشاعر إيجابية تجاه المعالج سرعان ما تتحول إلى مشاعر سلبية عدائية، وهذا التحويل يظهر الصراع النفسي في الطفولة تجاه الوالدين، وعندها يقدم المعالج تفسيراً لهذه العملية يساعد على إفهام المتعالج أن مشاعره هذه غير مناسبة في العلاقة العلاجية ولكنها ترتبط بعلاقته المبكرة مع أبيه. وبهذا التحليل يتحقق الاستبصار لدى المتعالج بصراعات الطفولة وعلاقاته مع والديه السابقة.

ولا بد أن يقدم المعالج الدعم والفهم والثبات خاصة عند تقديم التفسيرات لعملية التحويل، وهذا يساعد المتعالج في أن يدرك أن هذه المشاعر مدمرة للحياة خارج عملية العلاج وداخلها، وبالتالي يتقبل المتعالج المشاعر الإيجابية ويطور أنماطاً سلوكية متكيفة.
الانتقادات الموجهة للنموذج التحليلي:

على الرغم من أن النموذج التحليلي من أكثر النماذج النظرية شمولاً للشخصية الإنسانية، حيث إنه تناول الجوانب الشعورية واللاشعورية في شخصية الإنسان وابتكر أساليب خاصة لسبر أغواره، إلا أنه انتقد من قبل الأخصائيين النفسيين والمرشدين التربويين في عدة جوانب أهمها:
  1. عدم خضوع الافتراضات والمفاهيم النظرية حول شخصية الإنسان والاضطراب النفسي والأساليب العلاجية إلى المنهج التجريبي - الذي يؤكد على القياس الموضوعي والمصطلحات الإجرائية وخطوات الطريقة العلمية.
  2. بنى فرويد معظم افتراضاته على المرضى الذين كان يعالجهم في عيادته، وبذلك تعتبر نظريته مبنية على عينة متميزة وبالتالي فإن إمكانية تعميمها تبقى محدودة.
  3. تأكيد فرويد على حتمية السلوك البشري، وبذلك نفى أن يكون هناك إرادة للإنسان يختار ويقرر من خلالها.
  4. اعتبار فرويد أن الجانب الغريزي في شخصية الفرد هو الأقوى وهو الذي يتحكم في كافة سلوكياته، سيما الغريزة الجنسية وغريزة العدوان وإهماله للجوانب الاجتماعية في نمو الشخصية.
  5. تحتاج الأساليب العلاجية التحليلية إلى جلسات أكثر ووقت أطول مقارنة مع الاستراتيجيات العلاجية غير التحليلية، إضافة إلى أن تطبيق هذه الأساليب يحتاج إلى الخبرة والتدريب العملي الطويل.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال